بلال بن رباح كان عبدًا أفريقيًا، عُذّب في الصحراء لرفضه التخلي عن دينه. كانوا يمدّونه على الرمال الحارقة، ويضعون صخرة ضخمة على صدره، ويطالبونه بالتراجع. لم يكرر سوى كلمة واحدة: "أَحَدٌ، أَحَدٌ". استطاعوا أن يأخذوا منه كل شيء. لم يستطيعوا أن يأخذوا منه ذلك اليقين.
لفهم أهمية هذه القصة، يجب فهم العالم الذي حدثت فيه. جزيرة العرب في القرن السابع لم تكن استثناءً عنيفًا في عالم مسالم. كانت عالمًا كاملًا مبنيًا على تراتبية النسب وامتلاك البشر: عرب وغير عرب، قبائل نبيلة وأخرى أدنى، أحرار وعبيد يُباعون ويُشترون كأي سلعة أخرى. روما كانت تستعبد. فارس كانت تستعبد. تقريبًا كل إمبراطورية في ذلك العصر كانت كذلك.
في ذلك العالم أصبح بلال، العبد السابق، أول شخص في التاريخ يؤذّن للصلاة، أكرم مؤذّن في الإسلام المبكر. لم يكن ذلك إيماءة رمزية معزولة. النبي ﷺ حرّر من كان عنده من العبيد، واستقبل ماريّة، الجارية المصرية القبطية، وعامل زيد بن حارثة كابن له، وبحسب الروايات، حين أتيحت لزيد فرصة العودة إلى أسرته الأصلية، اختار البقاء.
سارت التعاليم في الاتجاه نفسه: "تحرير رقبة" يتكرر ذكره ككفارة وصدقة (حديث، صحيح مسلم)، و"ذلك أخوك" هي الطريقة التي وصف بها النبي ﷺ العلاقة بين السيد والعبد، في زمن كان معظم الناس يرون تلك العلاقة على العكس تمامًا (حديث، صحيح البخاري).
لكن التصريح الأكثر مباشرة بشأن المساواة العرقية جاء في خطبة الوداع، أمام عشرات الآلاف: "لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، وَلَا لِأَعْجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا لِأَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، إِلَّا بِالتَّقْوَى" (حديث، مسند أحمد).
هذه الجملة لا تقول "كلنا سواسية" كشعار غامض. بل تسمّي، تحديدًا، الفئات التي كان المجتمع يستخدمها لترتيب الناس (العرق، اللون) وتنزع عنها، واحدة تلو الأخرى، أي قيمة كمعيار للتفوق. لا يبقى سوى معيار واحد، وهو ليس بيولوجيًا ولا قبليًا.
اليوم، من السهل الاستشهاد بهذا كجملة تُنهي النقاش: "الإسلام قال هذا قبل 1400 عام"، وانتهى الأمر. لكن هذا يُفرغ القصة من ثقلها. المثير للاهتمام ليس وجود جملة جميلة. بل أن شخصًا مثل بلال، الذي عُذّب بسبب هويته، أصبح من أكثر الشخصيات إجلالًا في المجتمع الذي رآه ندًّا للجميع.
ما يبقى، أكثر من العقيدة نفسها، هو السؤال الذي لا تزال قصة بلال تطرحه: كم من التراتبيات التي نعتبرها اليوم "طبيعية" (الطبقة، المظهر، الأصل) قد تصمد أمام الاختبار نفسه، لو سمّاها أحدهم واحدة تلو الأخرى كما فعلت تلك الخطبة؟